مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

210

تفسير مقتنيات الدرر

والوجه الثاني في الاستدلال بصفات الأفلاك على وجود الإله القادر هو أنّه إنّا نرى بالحسّ والعيان أنّ الأفلاك لها حركات وتغيّرات لأنّ المراد من الحركة والتغيّر التغيّر من حال إلى حال وهذه الحالة أي الحركة والتغيّر تقتضي المسبوقيّة بالحالة المنتقل عنها والأزليّة تنافي المسبوقيّة بالغير فكان الجمع بين الحركة وبين الأزل محالا فثبت أنّ لحركات الأفلاك وتغييراتها لها بداية وأوّل وأوّليّتها وحركاتها مسبوقة بالعدم في الأوّل فافتقرت حركاتها إلى محرّك خالق فيها الحركة والوجود وهو الإله . ثمّ قد حصل من هذا الاستدلال والبيان دليل آخر ، وهو أنّه لمّا ثبت افتقارها إلى مدبّر قاهر وتخصيص الأجرام بالحركة في ذلك الوقت المعيّن دون ما قبله ودون ما بعده لا بدّ وأن يكون بتخصيص مخصّص وترجيح مرجّح ، وذلك المخصّص يتصرّف فيها كيف يشاء وهو اللَّه . ثمّ إنّ أجزاء الفلك حاصلة فيه لا في الفلك الآخر وأجزاء الفلك الآخر حاصلة فيه لا في الفلك الأوّل فاختصاص كل واحد منها بتلك الأجزاء أمر ممكن ولا بدّ للتخصيص من مرجّح فثبت المطلوب . فبيان الآية مغن ومبيّن دلائل التوحيد ولذا بعد بيان الإلهيّة ذكر دلائل ألوهيّته بذكر السماوات والأرض اللتين موادّ الموجودات . وبالجملة * ( [ إِنَّ رَبَّكُمُ ] ) * إلخ أي خالقكم ومنشئكم ومالك تدبيركم والَّذي يجب عليكم عبادته * ( [ اللَّه ُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ ] ) * اخترعهما وأنشأهما من غير مثال على ما فيهما من عجائب الصنعة وبدائع الحكمة * ( [ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ] ) * بلا زيادة ونقصان مع قدرته على إنشائهما دفعة واحدة ، والوجه فيه أنّ في ذلك مصلحة للملائكة وعبرة لمن استخبر عن ذلك ، وكذا تصريف الإنسان حالا فحالا من النطفة والعلقة والمضغة ، ثمّ وثمّ ، وإخراج الثمار والأزهار شيئا بعد شيء مع قدرته على ذلك في أقلّ من لمح البصر لأنّ ذلك أبعد من توهّم الاتّفاق فيه ، وفي « الأيّام » قيل : من أيّام الدنيا وقيل : من أيّام الآخرة . * ( [ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ] ) * قيل : إنّ العرش المذكور هنا هو السماوات والأرض لأنّهن من بنائه والعرش البناء ، وأمّا العرش العظيم الَّذي تعبد اللَّه الملائكة حوله ويعظَّمونه وعناه بقوله تعالى : « الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَه ُ » فهو غير هذا « ثمّ استوى » أي استولى عليه بإنشاء التدبير من جهة العرش كما يستوي الملك على سرير مملكته بالاستيلاء على